فصل: باب قطع الطريق

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ***


كتاب الحدود

كتاب الحدود لما كانت اليمين للمنع في أحد نوعيها ناسب أن يذكر الحدود عقيبها ‏,‏ والحد في اللغة المنع ومنه سمي البواب حدادا لمنعه الناس عن الدخول وسمي اللفظ الجامع المانع حدا ‏;‏ لأنه يجمع معنى الشيء ويمنع دخول غيره فيه وسميت العقوبات الخالصة حدا ‏;‏ لأنها مانع من ارتكاب أسبابها معاودة وحدود الله تعالى محارمه ‏;‏ لأنها ممنوع عنها ومنه قوله تعالى ‏{‏ تلك حدود الله فلا تقربوها ‏}‏ وحدود الله أيضا أحكامه ‏;‏ لأنها تمنع من التخطي إلى ما وراءها ومنه تلك حدود الله حدود الله فلا تعتدوها أو ‏;‏ لأن كفارة اليمين دائرة بين العقوبة ‏,‏ والعبادة فناسب أن يذكر العقوبات المحضة بعدها ومحاسن الحدود كثيرة ومن جملتها أنها ترفع الفساد الواقع في العالم وتحفظ النفوس ‏,‏ والأعراض ‏,‏ والأموال سالمة عن ابتذال وسبب كل من الحدود ما أضيف إليه من الزنا ‏,‏ والشرب ‏,‏ والسرقة ‏,‏ والقذف ‏.‏ وفي الشرع ‏(‏ الحد ‏)‏ فاللام الجنس بقرينة مقام التعريف فيشمل الحدود الخمسة وهي حد القذف وحد الشرب وحد السرقة وحد الزنا وحد قطع الطريق وأما حد السكر فداخل في حد الشرب كمية وكيفية غايته أن له قسمين شرب الخمر وشرب المسكر بقيد السكر فلا يرد عليه ما قيل أنها ستة ‏(‏ عقوبة مقدرة ‏)‏ مبينة في الكتاب أو السنة أو الإجماع ‏(‏ تجب ‏)‏ على الإمام إقامتها يعني بعد ثبوت السبب عنده وعليه يبتنى عدم جواز الشفاعة فيه فإنها طلب ترك الواجب وأما قبل الوصول إلى الإمام ‏,‏ والثبوت عنده تجوز الشفاعة عند الرافع له إلى الحاكم ليطلقه ‏;‏ لأن الحد لم يثبت بعد كما في الفتح ‏(‏ حقا لله تعالى ‏)‏ أي تعظيما وامتثالا لأمره تعالى ‏;‏ لأن المقصد الأصلي من شرعيته الانزجار عما يتضرر به العباد ‏,‏ والتحقيق أن العلم بشرعية الحدود مانع قبل الفعل زاجر بعده يمنع من العود إليه وليس الحد كفارة للمعصية ‏,‏ بل التوبة هي المسقطة عنه عذاب الآخرة كما في الفتح ‏(‏ فلا يسمى تعزير ولا قصاص حدا ‏)‏ أما التعزير فلعدم التقدير فيه وأما القصاص ‏;‏ فلأنه حق العبد مطلقا فلهذا جاز العفو عنه ولا يشكل هذا بحد القذف ‏;‏ لأن الغالب فيه عندنا حق الله تعالى ألا ترى أنه لا تقبل شهادته ‏.‏

حد الزنا

‏(‏ والزنى ‏)‏ بالقصر يكتب بالياء لغة حجازية وبالمد لغة نجدية ‏(‏ وطء ‏)‏ أي غيبة حشفة أو أكثر من الرجل فلو لم تدخل الحشفة لم يحد ‏;‏ لأنه ملامسة ‏(‏ مكلف ‏)‏ خرج به وطء المجنون ‏,‏ والمعتوه ‏,‏ والصبي وزاد صاحب البحر قوله ناطق طائع خرج بالناطق وطء الأخرس فإنه غير موجب للحد لاحتمال أن يدعي شبهة وبالطائع وطء المكره ‏;‏ لأن الإكراه يسقط الحد على ما سيأتي ‏(‏ في قبل ‏)‏ وزاد صاحب البحر قوله مشتهاة حالا أو ماضيا فخرج به غير المشتهاة كوطء الصبية التي لا تشتهى ‏,‏ والميتة ‏,‏ والبهيمة ‏(‏ خال ‏)‏ ذلك الوطء ‏(‏ عن ملك ‏)‏ أي ملك النكاح ‏,‏ واليمين احتراز عن وطء جارية مشتركة ومنكوحة نكاحا فاسدا ‏(‏ وشبهته ‏)‏ أي الملك كوطء معتدة البائن وجارية الابن ‏,‏ والأب وسيأتي تمامه وزاد صاحب البحر قوله في دار الإسلام ‏;‏ لأنه لا حد في الوطء في دار الحرب أو تمكينه من ذلك أو تمكينها ليصدق على ما إذا كان مستلقيا فقعدت على ذكره فتركها حتى إذا أدخلته فإنهما يحدان في هذه الصورة وليس الموجود منه سوى التمكين فعلى هذا أن هذا التعريف ليس بتعريف الموجب للحد وإلا لانتقض التعريف طردا وعكسا ‏,‏ والأولى أن يقول كما قال صاحب البحر ليكون التعريف تاما تأمل ‏.‏

‏(‏ ويثبت ‏)‏ الزنا ثبوتا ظاهرا عند الحاكم لا بمجرد علم الحاكم ‏;‏ لأن علمه ليس بحجة خلافا لأبي يوسف وثوري والشافعي ‏(‏ بشهادة أربعة رجال ‏)‏ فلا يثبت بشهادة النساء ولا بشهادة اثنين أو ثلاثة وإنما يشترط فيه أربعة رجال تحقيقا لمعنى الستر ولأن الزنا لا يتم إلا باثنين وفعل واحد لا يثبت إلا بشاهدين وأطلقهم فشمل ما إذا كان الزوج أحد الأربعة بشرط كون الزوج لم يقذفها خلافا للشافعي فلو كان قذفها وشهد بالزنا ومعه ثلاثة حد الثلاثة للقذف وعلى الزوج اللعان فعلى هذا لو قال بعض الشهود إن فلانا قد زنى وشهد عند الحاكم لا تقبل ‏(‏ مجتمعين ‏)‏ فلو شهدوا متفرقين حال مجيئهم وشهادتهم لم تقبل ويحدون حد القذف وأما إذا حضروا في مجلس واحد عند الحاكم وجلسوا مجلس الشهود وقاموا إلى الحاكم واحدا بعد واحد فشهدوا قبلت شهادتهم ‏;‏ لأنه لا يمكن الشهادة دفعة واحدة كما في السراج ‏(‏ بالزناء ‏)‏ متعلق بالشهادة أي شهادة ملتبسة بلفظ الزنا ‏;‏ لأنه الدال على الفعل الحرام ‏(‏ لا بالوطء أو الجماع إذا سألهم ‏)‏ بعد الشهادة ظرف يثبت ‏(‏ الإمام ‏)‏ أو نائبه ‏,‏ والقاضي ‏(‏ عن ماهية الزنا ‏)‏ احتراز عن زنى العين ‏,‏ واليد ‏,‏ والرجل فإنه يطلق عليه توسعا نحو العينان تزنيان ‏(‏ وكيفيته ‏)‏ لاحتمال كونه مكرها وقيل لاحتمال كونه تماس الفرجين من غير إدخال وقيل لاحتمال كونه زنى الإبط ‏,‏ والفخذ ‏,‏ والدبر كما في المضمرات ‏,‏ وهو الأصح فإنه مختار المبسوط ولا يقال إن السؤال عن الماهية يغني عن ذلك ‏,‏ والأحسن صورة الإكراه ‏;‏ لأن الغرض من هذه الاستقصاء وكمال الجهد ‏,‏ والاحتياط في الاحتيال لدرء الحدود لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ادرءوا الحدود ما استطعتم‏"‏ فالأحسن الاحتراز عن الكل كما في القهستاني ‏(‏ وأين زنى ‏)‏ لاحتمال أنه زنى في دار الحرب أو البغي ‏(‏ ومتى زنى ‏)‏ ‏;‏ لأن الزنى المتقادم أو في حال الصبا أو الجنون لا يوجب الحد ورد بأن الزنى المتقادم ليس على إطلاقه فإنه يوجب إذا كان ثبوته بالإقرار وجوابه أن التقادم إنما يمنع لإيجابه التهمة بالتأخير إذا لم يكن التأخير لعذر بخلاف الإقرار ‏;‏ لأن التقادم ليس فيه ما يقتضي التهمة ‏,‏ والتقادم في الزنا يثبت بشهر وما فوقه عندهما وعنده يفوض إلى رأي القاضي ‏(‏ وبمن زنى ‏)‏ هذا السؤال عن المزنية إذا كانت الشهادة على الزاني وفائدته الاستكشاف عن الشبهة وعن الزاني إذا كانت الشهادة على المزنية وفائدته الاستكشاف عن شرط التكليف وهذه القاعدة توجد في الأول أيضا كما في الإصلاح فمن قال إن السؤال عن الماهية يغني عنه أو خص السؤال بالأول فقد أخطأ تأمل ‏(‏ فبينوه ‏)‏ على الوجه المشروح ‏(‏ وقالوا رأيناه وطئها ‏)‏ بصيغة الفعل ‏(‏ في فرجها كالميل في المكحلة ‏)‏ بضم الميم ‏,‏ والحاء آلة مخصوصة للكحل ‏,‏ وهذا راجع إلى بيان الكيفية ‏,‏ وهو زيادة بيان احتيالا للدرء وإلا يغني ما ذكر عن ذلك ‏(‏ وعدلوا ‏)‏ بصيغة المجهول أي الشهود تعديلا ‏(‏ سرا وعلانية ‏)‏ عند من لا يكتفي بظاهر العدالة في غير الحد من الحقوق ‏,‏ وهو ظاهر عند من يكتفي احتيالا للدرء وفي أكثر المعتبرات ويحبسه الإمام حتى يسأل عن الشهود كي لا يهرب ولا وجه لأخذ الكفيل منه ‏;‏ لأن أخذه نوع احتياط فلا يكون مشروعا فيما يبتنى على الدرء وحبسه ليس بطريق الاحتياط ‏,‏ بل بطريق التعزير انتهى لكن يشكل الأمر بأنه يلزم الجمع بين التعزير ‏,‏ والحد في حالة واحدة إذا حد بعده فيلزم أن يكون الحبس احتياطا لا تعزيرا على أن المستفاد من تعليل الحبس بقولهم كي لا يهرب يؤيده تأمل‏.‏

باب الوطء الذي يوجب الحد والذي لا يوجبه قد تقدم حقيقة الزناء ‏,‏ وهو الذي يوجب الحد وكيفية إثباته ‏,‏ ثم شرع في تفاصيله وبدأ ببيان الشبهة فقال ‏(‏ الشبهة ‏)‏ وهي ما يشبه الثابت وليس في نفس الأمر بثابت أو اسم من الاشتباه وهي ما بين الحلال ‏,‏ والحرام ‏,‏ والخطأ ‏,‏ والصواب ‏(‏ دارئة ‏)‏ أي دافعة ‏(‏ للحد ‏)‏ عن الواطئ لما تقدم قال الإسبيجابي الأصل أنه متى ادعى شبهة وأقام البينة عليها سقط الحد فبمجرد الدعوى يسقط أيضا الإكراه خاصة فلا يسقط به الحد حتى يقيم البينة على الإكراه ‏(‏ وهي ‏)‏ أي الشبهة ‏(‏ نوعان ‏)‏ هذا مسلك صاحب الوقاية ‏,‏ والكنز لكن في الإصلاح وغيره أن الشبهة ثلاثة أنواع في المحل وفي الفعل وفي العقد ولا يمكن درج الثالثة في الثانية ‏;‏ لأن النسب يثبت فيها ولا شيء فيها على الجاني وإن اعترف بالحرمة ‏(‏ شبهة في الفعل ‏)‏ أي الوطء وتسمى شبهة الاشتباه أي شبهة المشتبه المعتبر في حقه لا غير ‏(‏ وهي ‏)‏ أي الشبهة في الفعل ‏(‏ ظن غير الدليل ‏)‏ على حل الفعل ‏(‏ دليلا ‏)‏ عليه ‏(‏ فلا يحد فيها ‏)‏ أي في شبهة الفعل ‏(‏ إن ظن ‏)‏ الواطئ ‏(‏ الحل ‏)‏ قال في الإصلاح إن ادعى الحل وعلل بأن العبرة لدعوى الظن لا للظن فإنه يحد إن لم يدع وإن حصل له الظن ولا يحد إن ادعى وإن لم يحصل له الظن تأمل ‏(‏ وإلا ‏)‏ أي وإن لم يظن الحل ‏(‏ يحد ‏)‏ قالوا هذه الشبهة في ثمانية مواضع ‏,‏ والزيادة عليها حاصلة بالنظر لتعدد الأصول وإلى هذه المواضع أشار بقوله ‏(‏ كوطء معتدته من ثلاث ‏)‏ ‏;‏ لأن حرمتها مقطوع بها فلم يبق له فيها ملك ولا حق غير أنه بقي فيها بعض الأحكام كالنفقة ‏,‏ والسكنى ‏,‏ والمنع من الخروج وثبوت النسب وحرمة أختها وأربع سواها وعدم قبول شهادة كل منهما لصاحبه فحصل اشتباه لذلك فأورث شبهة عند ظن الحل ‏;‏ لأنه في موضع الاشتباه فيعذر ‏,‏ والإطلاق شامل ما إذا وقعها جملة أو متفرقا ‏.‏ وفي البحر سؤال وجواب فليطالع ‏(‏ أو ‏)‏ كوطء معتدته ‏(‏ من طلاق على مال ‏)‏ ‏.‏ وفي الهداية ‏,‏ والمختلعة ‏,‏ والمطلقة على مال بمنزلة المطلقة الثلاث لثبوت الحرمة بالإجماع وقيام بعض الآثار في العدة ‏.‏ وفي البحر ومرادهم الطلاق على مال بغير لفظ الخلع أما إذا كان بلفظ الخلع ففيه الاختلاف لكن الصحيح أن يكون الحكم فيه كالحكم في المطلقة ثلاثا ذكره الكرخي ‏(‏ أو ‏)‏ كوطء ‏(‏ أم ولد أعتقها ‏)‏ لثبوت حرمتها بالإجماع وتثبت الشبهة عند الاشتباه لبقاء أثر الفراش وهي العدة أو كوطء ‏(‏ أمة أصله ‏)‏ أي أبيه وأمه ‏.‏ ‏(‏ وإن علا ‏)‏ من الأجداد ‏,‏ والجدات فإن اتصال الأملاك بين الأصول ‏,‏ والفروع قد يوهم أن للابن ولاية وطء جارية الأصل كما في العكس ‏(‏ أو ‏)‏ كوطء ‏(‏ أمة زوجته ‏)‏ فإن غنى الزوج بمال زوجته المستفاد من قوله تعالى ‏{‏ ووجدك عائلا فأغنى ‏}‏ أي بمال خديجة قد يورث شبهة أن مال الزوجة ملك للزوج كما في أكثر المعتبرات وما قاله الباقاني وغيره من أنه قد أجمع على أن نسبة الإغناء نسبة مجازية بخلاف قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏أنت ومالك لأبيك‏"‏ على أن هذا التفسير غير متعين كما ذكر في كتب التفسير مع أنه يحتمل الخصوص ليس بسديد ‏;‏ لأن كون نسبة الإغناء نسبة مجازية لا ينافي إيراث الشبهة مع تصريحهم إغناءه بمال خديجة وإن كان على قول تأمل ‏.‏

باب الشهادة على الزناء والرجوع عنها ‏(‏ لا تقبل الشهادة بحد ‏)‏ أي بما يوجبه كالزناء مثلا ‏(‏ متقادم ‏)‏ أي موجبه أو سببه ‏,‏ وهو الزناء فإسناده إلى الحد مجاز ‏(‏ من غير بعد عن الإمام ‏)‏ يعني أن عدم القبول مشروط بقرب الحاكم بحيث يقدر على أدائها من غير تأخير وإلا تقبل ‏.‏ وفي الفتح وغيره ولا شك أنه لا يتعين البعد عذرا ‏,‏ بل يجب أن يكون كل من نحو مرض أو خوف طريق ولو في بعد يومين ونحوه من الأعذار التي يظهر أنها مانعة من المسارعة انتهى فعلى هذا لو قال من غير عذر لكان أولى تأمل ‏,‏ والأصل أن الحدود الخالصة حقا لله تعالى تبطل بالتقادم ‏;‏ لأن الشاهد مخير بين حسبتين أداء الشهادة ‏,‏ والستر قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏من ستر على أخيه المسلم عورة ستر الله عليه عورته يوم القيامة‏"‏ فالتأخير إن كان للستر فالإقدام على الأداء بعده يكون عن عداوة وإلا صار فاسقا آثما خلافا للشافعي كما في أكثر المعتبرات ‏,‏ والمنح ولا يخفى أن في العبارة تساهلا مشهورا فإن الذي يبطل بالتقادم الشهادة بأسبابها ‏(‏ إلا في ‏)‏ حد ‏(‏ القذف ‏)‏ ‏;‏ لأن الدعوى فيه شرط فيحمل تأخيرهم على انعدام الدعوى فلا يوجب تفسيقهم ‏.‏

باب حد الشرب

وهو نوعان شرب الخمر ويكفي فيه القليل ‏,‏ ولو قطرة ولا يلزم السكر وشرب المسكر المحرم غير الخمر لا بد فيه من السكر وأشار إلى الأول بقوله ‏(‏ من شرب خمرا ‏)‏ ‏,‏ وهو من ألفاظ العموم فيشمل الذمي وغيره ‏,‏ والحال أنه لا حد على الذمي والأخرس ‏:‏ وغير المكلف ‏,‏ والأولى أن يقول ‏:‏ مسلم ناطق مكلف شرب خمرا تأمل ‏.‏ ‏(‏ ولو ‏)‏ وصلية شرب ‏(‏ قطرة ‏)‏ واحدة يعني بلا اشتراط السكر ‏;‏ لأن حرمة الخمر قطعية وحرمة غيره ظنية فلا حد إلا بالسكر منه ‏(‏ فأخذوا ريحها ‏)‏ أي ‏:‏ ريح الخمر ‏(‏ موجود ‏)‏ أي ‏:‏ حين الأخذ قال في الذخيرة وإذا أخذه الشهود وهو سكران ‏,‏ أو أخذوه وقد شرب خمرا وريحها يوجد منه فذهبوا به إلى مصر فيه الإمام فانقطع ذلك منه يعني الرائحة قبل أن ينتهوا به إلى الإمام يحد وهذا ‏;‏ لأن الاحتراز عن مثل هذا غير ممكن فلا يعتبر مانعا عن إقامة الحد كما لو ذهبت الرائحة بالمعالجة لكن لا بد بأن يشهدا بالشرب ويقولا أخذناه وريحها موجودة وقوله وريحها موجود جملة حالية من الضمير في أخذ ‏,‏ والأولى أن يقول موجودة ‏;‏ لأن الريح مؤنث سماعي وأشار إلى الثاني بقوله ‏(‏ أو جاءوا به سكران ‏)‏ ‏,‏ ولو كان سكره ‏(‏ من نبيذ ‏)‏ ونحوه من المسكرات المحرمة غير الخمر ‏,‏ وأما إذا سكر بالمباح كشرب المضطر ‏,‏ والمكره ‏,‏ والمتخذ من الحبوب ‏,‏ والعسل ‏,‏ والذرة ‏,‏ والبنج فلا تعتبر تصرفاته كلها ‏;‏ لأنه بمنزلة الإغماء لعدم الجناية كما في أكثر الكتب فعلم من هذا أن البنج مباح وسكره حرام ولا يحد بسكره عند الشيخين خلافا لمحمد ‏.‏ وفي القهستاني ولا يحد بما حصل من نحو الأفيون وجوز بواء واختلف أنه أمسكر أم لا ‏.‏

‏(‏ والسكر الموجب للحد أن لا يعرف الرجل من المرأة ‏,‏ والأرض من السماء ‏)‏ هذا حده عند الإمام ‏(‏ وعندهما أن يهذي ويخلط في كلامه ‏)‏ أن يكون أكثر كلامه هذيانا ‏,‏ فإن كان نصفه مستقيما فليس سكران وإليه مال أكثر المشايخ وعند الشافعي المعتبر ظهور أثر السكر في مشيه وحركاته وأطرافه وهذا مما يختلف بالأشخاص فإن الصاحي ربما يتمايل في مشيه ‏,‏ والسكران قد يتمايل ويمشي مستقيما ‏(‏ وبه ‏)‏ أي ‏:‏ بقول الإمامين ‏(‏ يفتى ‏)‏ كما في أكثر المعتبرات ‏;‏ لأنه المتعارف ‏.‏ وفي الفتح واختاروه للفتوى لضعف دليل الإمام ‏,‏ والمعتبر في قدر السكر في حق الحرمة ما قالاه بالاتفاق للاحتياط ‏.‏

باب حد القذف

والقذف لغة الرمي مطلقا وفي الاصطلاح نسبة من أحصن إلى الزناء صريحا ‏,‏ أو دلالة ‏,‏ وهو من الكبائر بإجماع الأئمة واستثنى منه الشافعية ما كان في خلوة لعدم لحوق العار ‏.‏ وفي البحر وقواعدنا لا تأباه ‏;‏ لأن العلة لحوق العار ‏,‏ وهو مفقود ‏(‏ هو ‏)‏ أي ‏:‏ حد القذف ‏(‏ كحد الشرب كمية ‏)‏ أي ‏:‏ عددا ‏,‏ وهو ثمانون جلدة للحر ونصفها للعبد ‏(‏ وثبوتا ‏)‏ أي ‏:‏ من حيث الثبوت بشهادة الرجلين ‏,‏ أو بإقرار القاذف مرة لا النساء ‏.‏ وفي الفتح ويسألهما القاضي عن القذف ما هو ‏,‏ وعن خصوص ما قال ولا بد من اتفاقهما على اللغة التي وقع القذف بها وعلى زمان القذف ‏,‏ ولو قال لي بينة حاضرة في المصر أمهله القاضي إلى آخر المجلس وحبسه عند الإمام إلى قيام القاضي عن مجلسه ‏,‏ ولو شهد عليه بزنى متقادم سقط الحد عن القاذف ولم يثبت الزنى ‏.‏

‏(‏ ويحد بقذف الميت المحصن ‏)‏ أو الميت المحصنة ‏(‏ إن طالب به الوالد ‏)‏ ‏,‏ أو جده ‏,‏ وإن علا ‏,‏ والتقييد بالوالد اتفاقي إذ الأم كذلك ‏(‏ أو الولد ‏,‏ أو ‏)‏ ولد ‏(‏ ولده ‏)‏ ‏,‏ وإن سفل ‏,‏ والأولى أن يقول إن طالب به الأصول ‏,‏ والفروع ‏,‏ وإن علوا أو سفلوا ‏;‏ لأن العار يلحق بهم فيكون القذف متناولا لهم معنى ‏.‏ وقال زفر مع وجود الولد ليس لولد الولد ذلك ‏(‏ ولو ‏)‏ وصلية ‏(‏ محروما عن الإرث ‏)‏ خلافا للشافعي مطلقا بناء على أن حد القذف يورث عنده فيثبت لكل وارث حق المطالبة وعندنا لا بل يثبت لمن يلحق به العار ‏;‏ ولهذا يثبت للمحروم عن الإرث بالكفر ‏,‏ والرق وغيرهما خلافا لزفر ‏.‏ ‏(‏ وكذا ‏)‏ أي ‏:‏ يحد إن طالب به ‏(‏ ولد البنت خلافا لمحمد ‏)‏ في غير ظاهر الرواية ‏;‏ لأنه منسوب إلى أبيه لا إلى أمه فلا يلحقه الشين بزنى أبي أمه ‏,‏ والمذهب الأول ‏;‏ لأن الشين يلحقه إذ النسب ثابت من الطرفين كما في أكثر الكتب فعلى هذا ينبغي للمصنف أن يقول وفيه خلاف عن محمد تأمل ‏.‏

‏(‏ ويبطل ‏)‏ حد القذف ‏(‏ بموت المقذوف ‏)‏ سواء مات قبل الشروع في الحد ‏,‏ أو بعده وعند الأئمة الثلاثة لا يبطل بناء على أن الإرث يجري عندهم كحقوق العباد وعندنا لا ‏;‏ لأن حق الشرع غالب فيها فلا يجري الإرث فيه ‏(‏ لا ‏)‏ يبطل ‏(‏ بالرجوع عن الإقرار ‏)‏ يعني من أقر بقذف ‏,‏ ثم رجع لم يقبل ‏;‏ لأن للمقذوف حقا فيه فيكذبه في الرجوع بخلاف حدود هي خالص حق الله تعالى إذ لا مكذب له فيها ‏.‏

‏(‏ ولا يصح العفو ‏)‏ عن حد القذف ‏(‏ ولا الاعتياض عنه ‏)‏ أي ‏:‏ أخذ العوض عن حد القذف ‏;‏ لأنهما لا جريان في حق الشرع ‏;‏ لأنه غالب عندنا خلافا للشافعي ‏,‏ ولو عفا المقذوف قبل القضاء بالحد لا يحد القاذف لا لصحة عفوه بل لترك طلبه حتى لو عاد وطلب يحد وفيه إشارة إلى أنه يشترط الدعوى في إقامته ولم تبطل الشهادة بالتقادم ‏.‏ وفي البحر ويقيمه القاضي بعلمه في أيام قضائه ‏,‏ وكذا لو قذفه بحضرته ‏(‏ ولو قال زنأت في الجبل وعنى الصعود ‏)‏ أي ‏:‏ حال كونه قائلا أردت به الصعود ‏(‏ حد ‏)‏ عند الشيخين وفيه إشارة إلى أنه لو لم يعن الصعود يحد اتفاقا ‏(‏ خلافا لمحمد ‏)‏ فإنه يقول لا يحد ‏,‏ وهو قول الشافعي ‏;‏ لأنه نوى حقيقة لفظه ‏;‏ لأن زنأ بالهمزة يجيء بمعنى صعد وذكر الجبل يقرر مراده ‏,‏ وفي مستعمل بمعنى على ولهما إن ظاهر اللفظ دال على الفاحشة وهمزته يجوز أن تكون مقلوبة من الحرف اللين كما يلين المهموز ودلالة الحال داعية إلى إرادة القذف وذكر الجبل إنما يتعين الصعود مرادا إذا كان مقرونا بكلمة على إذ هو مستعمل فيه فلذا لو قال زنأت على الجبل قيل لا يحد وقيل يحد ‏.‏ وفي الغاية ‏,‏ والمذهب عندي إذا كان هذا الكلام خرج على وجه الغضب ‏,‏ والسباب يجب الحد وإلا فلا وقيد بالهمزة إذ لو كان بالياء وجب الحد اتفاقا ‏,‏ وكذا لو اقتصر على قوله زنأت يحد اتفاقا كما في البحر ‏.‏

فصل في التعزير

فصل في ‏(‏ التعزير ‏)‏ قال صاحب التنوير هو تأديب دون الحد ‏,‏ وفي اللغة مطلق التأديب وقوله دون الحد من معناه الشرعي أي ‏:‏ أدنى من الحد في القدر وقوة الدليل فإنه شرعا لا يختص بالضرب ‏,‏ بل قد يكون به ‏,‏ وقد يكون بالصفع وبفرك الأذن وبالكلام العنيف وبنظر القاضي إليه بوجه عبوس وشتم غير القذف ‏.‏ وفي البحر ولا يكون التعزير بأخذ المال من الجاني في المذهب لكن في الخلاصة سمعت عن ثقة أن التعزير بأخذ المال إن رأى القاضي ذلك ‏,‏ أو الوالي جاز ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال ولم يذكر كيفية الأخذ وأرى أن يؤخذ فيمسك مدة للزجر ثم يعيده لا أن يأخذه لنفسه أو لبيت المال ‏,‏ فإن آيس من توبته يصرف إلى ما يرى ‏.‏ وفي النهاية التعزير على مراتب تعزير أشراف الأشراف وهم العلماء ‏,‏ والعلوية بالإعلام وتعزير الأشراف ‏,‏ والدهاقين بالإعلام ‏,‏ والجر إلى باب القاضي وتعزير الأوساط وهم السوقية بالجر ‏,‏ والحبس وتعزير الأرازل بهذا كله وبالضرب انتهى ‏.‏ وظاهره أنه ليس مفوضا إلى رأي القاضي وأنه ليس للقاضي التعزير بغير المناسب المستحق لكن مختار السرخسي أنه ليس فيه تقدير ‏,‏ بل هو مفوض إلى رأي القاضي ‏;‏ لأن المقصود منه الزجر وأحوال الناس مختلفة فتفوض إلى رأي القاضي ‏.‏ وفي التنوير ويكون التعزير بالقتل كمن وجد رجلا مع امرأة لا تحل له إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح وإلا لا ‏,‏ وإن كانت المرأة مطاوعة قتلهما ‏,‏ ولو كان مع امرأته ‏,‏ وهو يزني بها ‏,‏ أو مع محرمه وهما مطاوعتان قتلهما جميعا مطلقا وعلى هذا المكابر بالظلم وقطاع الطريق وصاحب المكس وجميع الظلمة بأدنى شيء قيمة ويقيمه كل مسلم حال مباشرة المعصية وبعدها ليس ذلك لغير الحاكم حتى لو عزره بعد الفراغ منها بغير إذن المحتسب فللمحتسب أن يعزر المعزر ‏.‏

كتاب السرقة

لما فرغ عن بيان الزواجر الراجعة إلى صيانة النفوس كلا ‏,‏ أو بعضا واتصالا بها شرع في بيان المزجرة الراجعة إلى صيانة الأموال وأخرها لكون النفس أصلا ‏,‏ والمال تابعا ‏(‏ هي ‏)‏ أي السرقة في اللغة أخذ الشيء خفية بغير إذن صاحبه مالا كان أو غيره ‏.‏ وفي الشرعية هي نوعان ‏;‏ لأنه إما يكون ضررها بذي المال ‏,‏ أو به وبعامة المسلمين ‏,‏ فالأول يسمى بالسرقة الصغرى ‏,‏ والثاني بالكبرى بين حكمها في الآخر ‏;‏ لأنها أقل وقوعا واشتراكا في التعريف وأكثر الشروط فعرفهما فقال ‏(‏ أخذ مكلف ‏)‏ بطريق الظلم فلا يقطع غير المكلف كالصبي ‏,‏ والمجنون ولا غيرهما إذا كان معه أحدهما ‏,‏ وإن كان الآخذ الغير وعند أبي يوسف يقطع الغير كما في القهستاني ‏(‏ خفية ‏)‏ شرط في السرقة ابتداء وانتهاء إذا كان الأخذ نهارا ‏;‏ لأنه وقت يلحقه الغوث فيه وابتداء إذا كان ليلا كما إذا نقب الجدار سرا وأخذ المال من المالك جهرا ‏;‏ لأنه وقت يلحقه الغوث فيه فلو لم يكتف بالخفية فيه ابتداء لامتنع القطع في أكثر السراق ‏,‏ والشرط أن يكون خفية على زعم السارق حتى لو دخل دار إنسان فسرق ‏,‏ وهو يزعم أن المالك لا يعلم قطع ‏,‏ ولو علم أنه يعلمه لا ‏;‏ لأنه جهر ‏,‏ ولو دخل ما بين العشاء ‏,‏ والعتمة ‏,‏ والناس يذهبون ويجيئون فهو بمنزلة النهار ‏(‏ قدر ‏)‏ وزن ‏(‏ عشرة دراهم ‏)‏ وزن كل عشرة سبعة مثاقيل يوم السرقة ‏,‏ والقطع فلو سرق نصف دينار قيمته النصاب قطع ‏,‏ ولو أقل لا ولا يقطع في الذهب حتى يكون مثقالا تكون قيمته عشرة دراهم ‏,‏ ولو أخرج من الحرز أقل من العشرة ‏,‏ ثم دخل فيه وكمل لم يقطع ‏(‏ مضروبة ‏)‏ فلو أخذ نقرة فضة وزنها عشرة دراهم ‏,‏ أو متاعا قيمته عشرة دراهم غير مضروبة لم يقطع فيقوم بأعز النقود ‏,‏ أو بنقد البلد الذي يروج بين الناس في الغالب ‏,‏ فالأول رواية الحسن عن الإمام ‏,‏ والثاني رواية أبي يوسف عنه ولا يقطع بالشك ولا بتقويم واحد ‏,‏ أو بعض من المقومين ‏(‏ من حرز ‏)‏ أي ممنوع عن وصول يد الغير إليه ‏,‏ وهو في الأصل المجعول في الحرز أي ‏:‏ الموضع الحصين فلا يقطع في غيره ‏(‏ لا ملك له ‏)‏ أي للسارق ‏(‏ فيه ‏)‏ أي ‏:‏ في المسروق ‏(‏ ولا شبهة ‏)‏ ملك فلا يقطع لو سرق من حرز له فيه شبهة ‏,‏ أو تأويل كما سيأتي ولا بد من كون السارق ليس بأخرس ولا أعمى لاحتمال أنه لو نطق ادعى شبهة ‏,‏ والأعمى جاهل بمال غيره ولا بد أن تكون السرقة في دار العدل فلو سرق في دار الحرب ‏,‏ أو البغي ‏,‏ ثم خرج إلى دار الإسلام فأخذ لم يقطع ولا بد من ثبوت دلالة القصد إلى النصاب المأخوذ فلو سرق ثوبا لا يساوي عشرة وفيه دراهم مضروبة لم يقطع هذا إذا لم يكن الثوب وعاء للدراهم عادة وإلا يقطع كسرقة كيس فيه دراهم كثيرة ‏;‏ لأن القصد فيه يقع على سرقة الدراهم ولا بد أن يكون للمسروق منه يد صحيحة وأن يكون المسروق مما لا يتسارع إليه الفساد ‏,‏ ولو سرق من السارق لم يقطع ‏,‏ وكذا لو سرق ما يتسارع إليه الفساد كاللحم ‏,‏ والفواكه ولا بد أن يخرجه ظاهرا حتى لو ابتلع دينارا في الحرز وخرج لم يقطع ولا ينتظر إلى أن يتغوطه ‏,‏ بل يضمن مثله كما في البحر وغيره فعلى هذا علم أن تعريف المصنف ليس بتام ‏,‏ والأولى أن يقول هي أخذ مكلف ناطق بصير عشرة دراهم جيادا ومقدارها مقصودة ظاهرة الإخراج خفية من صاحب يد صحيحة مما لا يتسارع إليه الفساد في دار العدل من حرز لا شبهة ولا تأويل فيه تأمل ‏.‏

‏(‏ وتثبت ‏)‏ السرقة ‏(‏ بما يثبت به الشرب ‏)‏ أي تثبت بشهادة رجلين وبالإقرار لا بشهادة رجل وامرأتين ولا بالشهادة على الشهادة ‏(‏ فإن سرق مكلف حر ‏,‏ أو عبد ‏)‏ وهما في القطع سواء ‏;‏ لأن النص لم يفصل ‏;‏ ولأن القطع لا ينتصف فكمل ولم يندرئ صيانة لأموال الناس ‏(‏ ذلك القدر ‏)‏ أي ‏:‏ قدر عشرة دراهم حال كونه ‏(‏ محرزا بمكان ‏)‏ أي ‏:‏ بسبب موضع معد لحفظ الأموال كالدور ‏,‏ والدكاكين ‏,‏ والخيام ‏,‏ والمذهب أن حرز كل شيء معتبر بحرز مثله حتى لا يقطع بأخذ لؤلؤ من إسطبل بخلاف أخذ الدابة ‏(‏ أو حافظ ‏)‏ كالجالس عند ماله في الطريق ‏,‏ أو في المسجد حتى لو سرق شيئا من تحت رأس النائم في الصحراء ‏,‏ أو في المسجد يقطع كما سيأتي ‏.‏

فصل في الحرز ‏(‏ هو ‏)‏ أي ‏:‏ الحرز ‏(‏ قسمان ‏)‏ حرز ‏(‏ بمكان ‏)‏ ‏,‏ وهو المكان المعد لإحراز الأمتعة ‏(‏ كبيت ‏,‏ ولو بلا باب ‏,‏ أو بابه مفتوح ‏)‏ ‏;‏ لأن الباب لقصد الإحراز إلا أنه لا يجب القطع إلا بالإخراج لبقاء يده قبله ‏.‏ وفي التبيين ‏,‏ ولو كان باب الدار مفتوحا في النهار فسرق لا يقطع ‏;‏ لأنه مكابرة ‏,‏ وليس بسرقة ‏,‏ ولو كان في الليل بعد انقطاع انتشار الناس قطع ‏(‏ وكصندوق ‏)‏ وغيره كما ذكرناه ‏(‏ ويحافظ كمن هو عند ماله ‏,‏ ولو ‏)‏ وصلية ‏(‏ نائما ‏)‏ ‏;‏ لأنه قد ‏"‏قطع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من سرق رداء صفوان من تحت رأسه ‏,‏ وهو نائم في المسجد‏"‏ كما في أكثر المعتبرات فعلى هذا ما في القهستاني من أنه لا يقطع بأخذ المال من نائم إذا جعله تحت رأسه أو جنبه أما إذا وضع بين يديه ‏,‏ ثم نام ففيه خلاف ضعيف ‏;‏ لأنه يقطع بكل حال على الصحيح ‏;‏ لأن المعتبر الإحراز المعتاد ‏,‏ وقد حصل بهذا فإن الناس يعدون النائم عند متاعه حافظا له ألا يرى أن المودع ‏,‏ والمستعير لا يضمن مثله وهما يضمنان بالتضييع وما لا يكون محرزا يكون مضيعا ‏.‏ وفي البحر لا قطع في المواشي في الرعي ‏,‏ وإن كان معها الراعي ‏,‏ وإن كان معها سوى الراعي من يحفظهما يجب القطع وكثير من المشايخ أفتوا بهذا ‏(‏ وفي الحرز بالمكان لا يعتبر الحافظ ‏)‏ فلو سرق من بيت مأذون له بالدخول فيه لكن مالكه يحفظه لا يقطع ‏;‏ لأن المكان يمنع وصول اليد إلى المال ويكون المال مختفيا به ‏,‏ والاختفاء لا يوجد في الحافظ فكان ذلك أصلا وهذا فرعا فلا اعتبار للفرع مع وجود الأصل ‏.‏

فصل ‏(‏ كيفية القطع وإثباته ‏)‏ ‏,‏ ولو ترك قوله وإثباته لكان أخصر ‏;‏ لأنه لم يذكر في هذا الفصل ‏,‏ بل ذكر في أول الكتاب فذكره هنا مستدرك تدبر ‏.‏ ‏(‏ تقطع يمين السارق ‏)‏ أما القطع فبالنص ‏,‏ وأما اليمين فبقراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فاقطعوا أيمانهما ‏,‏ وهي مشهورة فجاز التقييد بها وهذا من تقييد المطلق لا من بيان المجمل ‏,‏ وقد قطع النبي عليه الصلاة والسلام اليمين ‏,‏ والصحابة رضي الله تعالى عنهم ‏(‏ من زنده ‏)‏ ‏;‏ لأنه المتوارث ومثله لا يطلب له سند بخصوصه كالتواتر ولا يبالى فيه بكفر النافين فضلا عن فسقهم ‏,‏ أو ضعف دينهم كما في البحر ‏(‏ وتحسم ‏)‏ أي تغمس في الدهن المغلي وجوبا ‏;‏ لأن الدم لا ينقطع إلا به ‏,‏ والحد زاجر لا متلف ‏;‏ ولهذا لا يقطع في الحر ‏,‏ والبرد الشديدين ويحبس حتى يتوسط الأمر في ذلك وأجر الدهن على السارق كأجر الحداد ومقيم الحد ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ تقطع ‏(‏ رجله اليسرى ‏)‏ من الكعب وتحسم ‏(‏ إن عاد ‏)‏ إلى السرقة وهذا كله إذا كانت اليد اليمنى موجودة ‏,‏ وإن كانت ذاهبة ‏,‏ أو مقطوعة قطع الرجل اليسرى ‏,‏ أو لا ‏,‏ وإن كانت رجله اليسرى مقطوعة فلا قطع عليه ‏(‏ فإن سرق ثالثا ‏)‏ ‏,‏ أو رابعا ‏(‏ لا تقطع ‏)‏ اليد اليسرى ‏,‏ والرجل اليمنى عندنا ‏(‏ بل يحبس حتى يتوب ‏)‏ وهذا استحسان ويعزر أيضا ذكره بعض المشايخ ومدة التوبة مفوضة إلى رأي الإمام وقيل إلى أن يظهر سيماء الصالحين في وجهه وللإمام أن يقتله سياسة لسعيه في الأرض بالفساد وعند الشافعي يقطع في الثالث يده اليسرى ‏.‏ وفي الرابع رجله اليمنى لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏من سرق فاقطعوه ‏,‏ فإن عاد فاقطعوه ‏,‏ فإن عاد فاقطعوه ‏,‏ فإن عاد فاقطعوه‏"‏ ولنا الإجماع ‏;‏ لأن عليا رضي الله تعالى عنه قال أني لأستحيي أن لا أدع له يدا يبطش بها ورجلا يمشي عليها وبهذا حاج بقية الصحابة فحجهم أي غلبهم فانعقد إجماعا ولم يحتج عليه أحد بهذا الحديث فبان أنه لا أصل له إذ لو ثبت لبلغهم ‏,‏ ولو بلغهم لاحتجوا به ‏,‏ أو يحمل على السياسة ‏,‏ أو النسخ ‏.‏

باب قطع الطريق

هذا بيان للسرقة الكبرى وإطلاق السرقة عليه مجاز ‏;‏ ولذا لزم التقييد بالكبرى وسميت بالكبرى ‏;‏ لأن ضرر قطع الطريق على أصحاب الأموال على عامة المسلمين بانقطاع الطريق ‏;‏ ولهذا يجب إغلاظ الحد بخلاف الصغرى لكن قدمت الصغرى لكونها أكثر وقوعا ‏(‏ من قصد قطع الطريق ‏)‏ هذا التعليق مجاز أي ‏:‏ قصد قطع المار عن الطريق ‏(‏ من مسلم ‏)‏ بيان لمن ‏(‏ أو ذمي ‏)‏ سواء كان حرا ‏,‏ أو عبدا فخرج الحربي المستأمن ‏;‏ لأن في إقامة الحد عليه خلافا كائنا ‏(‏ على مسلم ‏,‏ أو ذمي ‏)‏ حتى لو قطعه على مستأمن يجب الحد ويضمن المال لثبوت عصمة ماله حالا ‏(‏ فأخذ ‏)‏ هذا المعصوم القاطع ‏(‏ قبله ‏)‏ أي قبل قطع الطريق ‏(‏ حبس ‏)‏ لمباشرته منكرا ‏(‏ حتى يتوب ‏)‏ ويظهر سيما الصالحين عليه أو يموت وعند الشافعي ينفى من البلد ‏.‏ ‏(‏ وإن أخذ ‏)‏ أي قاصدا قطع الطريق ‏(‏ مالا ‏)‏ بعد التعزير ‏(‏ وحصل لكل واحد ‏)‏ من القاطعين ‏(‏ نصاب السرقة قطع يده اليمنى ورجله اليسرى ‏)‏ أي ‏:‏ إن كان صحيح الأطراف ‏,‏ فإن لم يحصل لكل واحد نصاب لم يقطع واشترط الحسن بن زياد نصابين ‏;‏ لأنه يقطع منه طرفان ‏.‏